الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
75
مختصر الامثل
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا » بحيث يحتاجان إلى الرعاية والاهتمام الدائم ، فلا تبخل عليهما بأي شكل من إشكال المحبة واللطف ولا تؤذيهما أو تجرح عواطفهما بأقل إهانة حتى بكلمة « أف » : « فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ « 1 » وَلَا تَنْهَرْهُمَا » . بل : « وَقُلْ لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا » . وكن أمامهما في غاية التواضع « وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا » . إضافة إلى ما ذكرناه ، فثمّة ملاحظة لطيفة أخرى يطويها التعبير القرآني ، هذه الملاحظة خطاب للإنسان يقول : إذ أصبح والداك مسنيّن وضعيفين وكهلين لا يستطيعان الحركة أو رفع الخبائث عنهما ، فلا تنس أنّك عندما كُنت صغيراً كُنت على هذه الشاكلة أيضاً ، ولكن والديك لم يقصّرا في مداراتك والعناية بك ، لذا فلا تقصّر أنت في مداراتهم ومحبتهم . وقد تحدث من قبل بعض الأبناء انحرافات فيما يتعلق بحقوق الوالدين واحترامهم والتواضع لهم ، وقد يصدر هذا العقوق عن جهل في بعض الأحيان ، وعن قصد وعلم في أحيان أخرى ، لذا فإنّ الآية الأخيرة في بحثنا هذا تشير إلى هذا المعنى بالقول : « رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ » . وهذه إشارة إلى أنّ علم اللَّه ثابت وأزلي وأبدي وبعيد عن الإشتباهات ، بينما علمكم أيّها الناس لا يحمل هذه الصفات ! لذلك فإذا طغى الإنسان وعصى أوامر خالقه في مجال احترام الوالدين والإحسان إليهم ، ولكن بدون قصد وعن جهل ، ثم تاب بعد ذلك وأناب ، وندم على ما فعل وأصلح ، فإنّه سيكون مشمولًا لعفو اللَّه تعالى : « إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا » . احترام الوالدين في المنطق الإسلامي : إنّ الإسلام يُعطي التعليمات اللازمة إزاء قضية احترام الوالدين ورعاية حقوقهما ، إلّافي قضايا نادرة أخرى . وعلى سبيل المثال يمكن أن تشير الفقرات الآتية إلى هذا المعنى : أ ) في أربع سور قرآنية ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد التوحيد مباشرة ، وهذا الاقتران يدل على مدى الأهمية التي يوليها الإسلام للوالدين . ب ) إنّ مسألة احترام الوالدين ورعاية حقهما من المنزلة بمكان ، حتى أنّ القرآن
--> ( 1 ) إنّ هذه الكلمة مأخوذ من « الصوت » الذي يخرج من الفم عندما ينفخ الإنسان لتنظيف بدنه أو ملابسه منالغبار الموجود عليها . إنّ الآية تريد أن تقول لا يجوز تجاوز الحدود أمامهما أو إيذاؤهما حتى بمستوى ما تحمله كلمة « أف » من معنى .